ابن عجيبة

243

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : ( أن لو نشاء ) : « أن » مخففة ، وهي وما بعدها : فاعل ( يهد ) أي : أو لم يتبين لهم قدرتنا على إهلاكهم لو نشاء ذلك ؟ وإنما عدى « يهدى » باللام ؛ لأنه بمعنى يتبين ، و ( نطبع ) : استئناف ، أي : ونحن نطبع على قلوبهم . يقول الحق جل جلاله : أَ وَلَمْ يَهْدِ أي : يتبين لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أي : يخلفون من قبلهم ويرثون ديارهم وأموالهم ، أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ أي : أهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ بسبب ذنوبهم ، كما أهلكنا من قبلهم ، لكن أمهلناهم ولم نهملهم ، وَ نحن نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ بالغفلة والانهماك في العصيان ، فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ سماع تدبر واعتبار . تِلْكَ الْقُرى ، التي قصصنا عليك آنفا ، نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها من أخبارها ، أي : بعض أخبارها ، ولها أبناء غيرها لا نقصها عليك وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ : بالمعجزات ، فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عند مجيئهم ، بها بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ مجيئها ، يعنى : أن ظهور المعجزات لم ينفعهم ، بل الشيء الذي كذبوا به قبل مجيئها ، وهو التوحيد وتصديق الرسل ؛ استمروا عليه بعد مجيئها . أو : فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا مدة عمرهم بما كذبوا به أولا ، حين جاءتهم الرسل ، فلم تؤثر فيم دعوتهم المتطاولة والآيات المتتابعة . كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ فلا تلين شكيمتهم بالآيات والنذر . وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ أي : لأكثر أهل القرى مِنْ عَهْدٍ ، بل جلّهم نقضوا ما عهدناهم عليه من الإيمان والتقوى بإنزال الآيات ونصب الحجج ، وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ أي : علمناهم لَفاسِقِينَ ، و « إن » مخففة ، واللام : فارقة . الإشارة : ينبغي لمن فتح اللّه بصيرته أن ينظر بعين الاعتبار فيمن سلف قبله ، كيف تركوا الدنيا ورحلوا عنها ، ولم يأخذوا منها إلا ما قدموا أمامهم ؟ قدموا على ما قدّموا ، وندموا على ما خلفوا ، ولم ينفعهم الندم وقد زلت بهم القدم ، فالدهر خطيب يسمع القاصي والقريب ، وهو ينادى بلسان فصيح ، عادلا عن الكناية إلى التصريح ، قائلا : أما حصل لكم الإنذار ؟ أما كفاكم ما تشاهدون في الاعتبار ؟ أين من سلف قبلكم ؟ . أو ما كانوا أشد منكم أو مثلكم ؟ قد نما ذكرهم وعلا قدرهم ، وخسف بعد الكمال بدرهم ، فكأنهم ما كانوا ، وعن قريب مضوا وبانوا ، أفضوا إلى ما قدموا ، وانقادوا قهرا إلى القضاء وسلموا ، فيا أيها الغافلون ، أنتم بمن مضى لاحقون ، ويا أيها الباقون ؛ أنتم إليهم تساقون ، قضاء مبرم ، وحكم ملزم ، ليس عنه محيد لأحد من العبيد .